الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

296

شرح ديوان ابن الفارض

[ المعنى ] اعلم أن البيت الأول يقرأ دائما محرّف اللفظ وذلك لأنهم يروونه إن الملام بكسر همزة إن ، وذلك يقتضي فساد المعنى لأنه يقتضي الجزم بكون الملام استوقفه عن الهوى وليس ذلك من شأن الصادقين في الهوى ولا الذين تمكّن من قلوبهم الجوى . فالصواب في الرواية أن تروى بفتح همزة أن على أن المعنى طامعا في أنّ الملام يستوقفني عن الهوى وليس طمعه حاصلا ، بدليل قوله في البيت التالي : دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى والمعنى الحاصل بين البيتين متداول بين الأدباء غير أن الشيخ رضي اللّه عنه سبكه سبك النضار ، وأبرزه ضاحكا بالسرور والاستبشار ، ورأيت بعض الأدباء وأظنه ابن حجة الحموي قد ضمن حصة من المصراع الثالث فقال وأجاد في المقال : يا من يقول بان طع * م لمى الحبائب لم يرق وغدا يعنّف في الهوى * دع عنك تعنيفي وذق وقد ذكر الشيخ رضي اللّه عنه هذا المعنى في قصيدته الهمزية على عادته في التلاعب بالمعاني المتقاربة في ألفاظ مختلفة : لو تدر فيم عذلتني لعذرتني * خفّض عليك وخلّني وبلائي ويقرب من ذلك قول من قال وأجاد في المقال : إن لامني من لا رآه فقد * جار على الغائب في الحكم وإن لحاني من رآه فقد * أضلّه اللّه على علم التعنيف في أصل اللغة الإتيان بالكلام العنيف الشديد . والمراد به هنا تقريع المحبّ على المحبة ولومه عليها بكلمات غليظة على قلبه شديدة على سمعه . وقوله « فإذا عشقت فبعد ذلك عنف » : أي إن كنت قادرا فهو من باب إرخاء العنان مع الخصم ، أي عنف بعد العشق ، ومن المعلوم أن لا قدرة لك على التعنيف بعد العشق لما بينهما من المباينة . وفي قوله : « وذق طعم الهوى » إشارة إلى امتناع التعنيف بمجرّد ابتداء العشق في عشقه ، وما ألطف قول من قال وأجاد في المقال : قال الخليّ الهوى محال * فقلت لو ذقته عرفته فقال هل غير شغل قلب * إن أنت لم ترضه صرفته وهل سوى زفرة ودمع * إن لم ترد جريه كففته فقلت من بعد كل وصف * لم تعرف الحبّ إذ وصفته